ابن كثير
534
السيرة النبوية
أبو سفيان : " اللهم خذ على أسماعهم وأبصارهم فلا يرونا إلا بغتة ولا يسمعوا بنا إلا فجأة " . وقدم أبو سفيان مكة فقالت له قريش : ما وراءك ؟ هل جئت بكتاب من محمد أو عهد ؟ قال : لا والله لقد أبى على ، وقد تتبعت أصحابه فما رأيت قوما لملك عليهم أطوع منهم له ، غير أن علي بن أبي طالب قد قال لي : التمس جوار الناس عليك ولا تجر أنت عليه وعلى قومك ، وأنت سيد قريش وأكبرها وأحقها ألا تخفر جواره . فقمت بالجوار ثم دخلت على محمد فذكرت له أنى قد أجرت بين الناس وقلت : ما أظن أن تخفرني . فقال : أنت تقول ذلك يا أبا حنظلة . فقالوا مجيبين له : رضيت بغير رضى ، وجئتنا بمالا يغنى عنا ولا عنك شيئا ، وإنما لعب بك على لعمر الله ! ما جوارك بجائز وإن إخفارك عليهم لهين . ثم دخل على امرأته فحدثها الحديث فقالت : قبحك الله من وافد قوم ! فما جئت بخير . قال : ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم سحابا فقال : " إن هذه السحاب لتبض بنصر بني كعب " . فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يمكث بعد ما خرج أبو سفيان ، ثم أخذ في الجهاز وأمر عائشة أن تجهزه وتخفى ذلك . ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد أو إلى بعض حاجاته ، فدخل أبو بكر على عائشة فوجد عندها حنطة تنسف وتنقى ، فقال لها : يا بنية لم تصنعين هذا الطعام ؟ فسكتت . فقال : أيريد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يغزو ؟ فصمتت ، فقال : يريد بني الأصفر - وهم الروم - ؟ فصمتت ، فقال : فلعله يريد أهل نجد ؟ فصمتت . قال : فلعله يريد قريشا ؟ فصمتت .